أبي منصور الماتريدي
374
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
على خلاف ما كان سائر البشر ، يكلم الناس في المهد ، وأقرّ بالعبودية له ، ولم يكن لأحد من البشر ذلك ، وإبراء الأكمه والأبرص « 1 » ، وإحياء الموتى « 2 » ، وأنباء ما كانوا يأكلون ويدّخرون « 3 » ، وما « 4 » كان له مأوى يأوى إليه ، ولا عيش يتعيش هو به ، والبشر لا يخلو عن « 5 » ذلك ، ثم ألقى شبهه على غيره ؛ فقتل به ، ورفع هو إلى السماء « 6 » ؛ وذلك كله آية ، وكانت آياته كلها حسّية يعلمها كل أحد ، وآيات رسول اللّه - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - كانت حسّية وعقلية : أمّا الحسّية : فهو انشقاق القمر « 7 » ، ونبع الماء من بين أصابعه « 8 » ، وكلام الشاة
--> ( 1 ) لم ينفرد عيسى - عليه السلام - بمعجزة عمن سبقه من أنبياء بني إسرائيل ، وذلك واضح في التوراة المحرّفة التي بين أيديهم : « فقام اليسع - عليه السلام - بشفاء الأبرص ، وإبراص الطاهر » . سفر الملوك الثاني [ 5 ] وانظر : حقيقة النصرانية من الكتب المقدسة ، على الجوهري ص ( 40 ) . ( 2 ) وكذلك أحيا اليسع - عليه السلام - ميتا دفن في قبره من بعد موته . انظر : سفر الملوك الثاني [ 13 ، 20 ، 21 ] . حقيقة النصرانية ص ( 44 ) . ( 3 ) وكان من معجزات اليسع أيضا - عليه السلام - الإنباء بالغيب . انظر : سفر الملوك [ 2 - 7 ] . وحقيقة النصرانية ص ( 43 ) . ( 4 ) في ب : ولا . ( 5 ) في ب : من . ( 6 ) وسيعرض المصنف لهذا عند قول اللّه - تعالى - : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [ آل عمران : 55 ] . ( 7 ) وردت قصة انشقاق القمر من حديث ابن مسعود . رواه الإمام أحمد والشيخان وابن جرير وأبو نعيم من طرق متقاربة أدخلت بعضها في بعض : أن بعض أهل مكة : قال ابن عباس - كما عند أبي نعيم - منهم الوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبد المطلب ، والنضر ابن الحارث ، ونظراؤهم ، سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يريهم آية ، فقالوا : إن كنت صادقا فاشقق لنا القمر فرقتين : نصفا على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان - فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم : إن فعلت تؤمنوا ؟ قالوا : نعم - وكانت ليلة بدر - فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ربه أن يعطيه ما سألوا ، فأمسى القمر قد مثل نصفا على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينادي : اشهدوا اشهدوا ، فنظر الكفار ، ثم قاموا بأبصارهم فمسحوها ، ثم أعادوا النظر فنظروا ، ثم مسحوا أعينهم ، ثم نظروا ؛ فقالوا : سحر محمد أعيننا ، فقال بعضهم لبعض : لئن كان محمد سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس كلهم ، فانظروا إلى السفار فإن أخبروكم أنهم رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق ، فقد كانوا يتلقون الركبان فيخبرونهم أنهم قد رأوه فيكذبونهم ، فأنزل اللّه عزّ وجل : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [ القمر ] . وانظر القصة في : مسند أحمد ( 1 / 377 ) ، صحيح البخاري ( 9 / 601 ) كتاب التفسير باب : قوله تعالى : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ رقم ( 4864 ) ، ومسلم ( 4 / 2158 ) : كتاب صفات المنافقين وأحكامهم : باب انشقاق القمر ، رقم ( 44 - 2800 ) ، من حديث ابن مسعود . وراجعه كذلك في كتاب سبل الهدى والرشاد ، للإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي ( 9 / 599 ، 600 ) . ( 8 ) قال أبو العباس القرطبي : قصة نبع الماء من بين أصابع النبي صلى اللّه عليه وسلم تكررت منه في عدة مواطن ، في -